التضليل الناعم في شعارات االحتجاج الشعبي

رفع الحراك االحتجاجي المطلبي الشعبي الذي عرفه لبنان في 17 تشرين األول 2019 بعض  المصطلحات والشعارات التي أ     ص ريد لها أن تكون  خا ة بهذا الحراك، بعدما تكرر تردادها بين جمو ع    المحتجين، و في القنوات الفضائية التي واكبت بعدساتها ومراسليها ما يجري طوال الليل والنهار. ادعت، ولم تعكس حقيقة ما كان يجري في الساحات لم تكن تلك المصطلحات/ الشعارات صادقة فيما وما يدور خلفها، ال بل لعبت تلك الشعارات    دو ار   أساسيا في التضليل الناعم للرأي العام وحتى للجمهور الواسع من المتظاهرين والمحتجين،   كما شكلت تهديدا على استمرار هذا الحراك لتحقيق أهدافه المحقة. هذه المصطلحات/الشعارات كانت على الشكل التالي:  – "ثورة" – "كّلن يعني كّلن" ّ – " ة عفوي و بال قيادة" "ثورة" الثورة هي مشروع هدم نظام وبناء نظام جديد سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي. و للثورة قيادة يعرفها الناس  ترشدهم وتقودهم وتحدد لهم األهداف واألولويات. والثورة ليست الجماهير ال ة   عفوي التي تنزل إلى الشوارع، بل هي  عمل منظم من حيث التوقيت واإلعداد وتوزيع األدوار وتشكيل اللجان ووضع الخطط وسوى ذلك مما يحتاجه أي عمل على هذا المستوى من الخطورة.   تعمد بعض المحتجين في لبنان اعتبار ما يحصل بأنه "ثورة". فتم التركيز على تكرار كلمة "ثورة"، و" ار ّ ثو "،  وعلى رفع مجسم ضخم في وسط ساحة رياض الصلح لقبضة الثورة، هي القبضة نفسها التي رفعت إبان الثورات  الملونة في صربيا و جورجيا و إيران )الثورة الخضراء( و لدى حركات احتجاجية أخرى في مصر )حركة كفى(. و على إصدار بيانات باسم ما سمي بـ "هيئة تنسيق الثورة" )على غرار تنسيقيات الثورة السورية(، باإلضافة إلى كتابة كلمة ثورة، ورسومات على الجدران في كل األماكن العامة التي تواجد فيها المحتجون في بيروت وصيدا وطرابلس وسواها...ومن المعلوم أن تكرار الكلمة أو المصطلح مع الصورة والمجسم والقبضة الثورية، و هتاف  الجموع البشرية أمام الشاشات، سيجعلنا    نقتنع بصحة الشعار الذي يرفع، وسيمنعنا من التفكير في حقيقته أو في مدى انطباقه على ما يحصل فعليا في الشوارع. وهذا ما يطلق عليه التأثير الناعم، في أثناء الضجيج اإلعمامي  والحماس الجماهيري الذي يمنع من التفكير. الثورة هي مشروع تغييري شامل وواضح يهدف إلى استبدال نظام بآخر، كما فعلت الثورة اإلسمامية في إيران  وهي آخر الثورات في العصر الحديث. أو كما فعلت ثو ارت أخرى في العصور السالفة مثل الثورة الروسية، أو  الثورة الفرنسية. أي أن على الثورة المزعومة في لبنان أن تعمل الحتمال القصر الجمهوري، وإسقاط الرئيس أو  اعتقاله أو نفيه كما يحصل في الثورات، وعلى ال ار   ثو أن يحتلوا وزارة الدفاع، وأن يصدروا البيان ر قم واحد. وأن  يخرج قائد ال ار   ثو ليطرح مشروع الثورة للنظام الجديد الذي تريد الثورة تحقيقه بديما للنظام السابق. ّ ال ينطبق ما يجري في لبنان على أي من المواصفات المعروفة ال "لل ار" ثو وال حتى "للثورة": – فلم يجتمع المحتجون على هدف واحد مثل إسقاط النظام، فمنهم من يريد تغيير رئيس الحكومة ليأتي أحد داعمي  الحراك مكانه، ومنهم من يريد إسقاط حزب هللا، ومنهم من ير يد تحسين شروط مشاركته في الحكومة المقبلة،  ومنهم من يريد الفدرالية، أو محاربة الفساد وإلغاء الطائفية السياسية... ومنهم من يتلقى الدعم والتأييد من  شخصيات سياسية معروفة كانت على الدوام شريكة في السلطة وفي فسادها الذي يريد المحتجون الثورة عليه. – لم يكن "لل ار   ثو " قائد أو قيادة تعرف ماذا تريد، أو يعرف الجمهور إلى أين تأخذهم هذه القيادة. و لم تكن لهم قيادة  واحدة معروفة وعلنية. – الثورة هي تعبير عن الغضب واأللم الذي يختزنه الشعب ضد فساد السلطة واستبدادها، وليست مناسبة احتفالية  للرقص والفرح والتسامر والتباهي، وإيذاء الناس. لم نعرف أي ثورة في التاريخ فعلت ما فعله "الث ار   و في لبنان" للتعبير المفترض عن هذا الغضب واأللم. ما حصل من فرح وغناء وطرب وما رافقه على المستويات كافة كان  مخجما وعبث   يا   ومغاي ار   تماما لمعاني الثورة والغضب والتحدي التي يفترض أن تعتمل في نفوس المشاركين فيها  وفي قسمات وجوههم.   ذا ال يطلق عليه "ثورة" ال بالمعنى العلمي، وال بالممارسة السياسية، وال حتى بالتعبيرات االحتفاليات ما حصل إ الشعبية واالجتماعية. ما حصل هو حركة احتجاج شعبي لها مطالب وأهداف مختلفة ومتنوعة بحسب تنوع الفئات  التي شاركت فيها.  لماذا إ ذا اإلصرار على تسمية ما حصل بأنه "ثورة"؟   إلن اإلنتماء إلى "ثورة" يعطي أهمية استثنائية لما يجري، و شعو ار بالقوة، وبالقدرة على التغيير، وبالمشاركة في  صنع التاريخ "ألن الثورات هي التي تصنع التاريخ". شعار الثورة يعطي أهمية "ناعمة" لكل شخص موجود في  التجمعات، وتجعله يؤجل كل اهتماماته ويومياته لكي يشارك في صناعة الثورة، وهو يشعر بالسعادة والرضا، بعدما تحولت الفضائيات إلى نقل مباشر لصراخه وشتائمه وشكواه ضد السلطة ورموزها. وألن الثورة تعني عدم  القبول بأنصاف الحلول، فهي تتيح بهذه التسمية رفض أي حل يقترح لألزمة، و إمكانية البما   جر د إلى الفوضى. نعم كانت ثورة في وسائل اإلعمام، وفي الهتافات وفي المجسمات، وفي الرسوم على الجدران، وفيما ي   م   س "هيئة تنسيق الثورة"...التي ال نعرف لماذا تخفي أسماء العاملين فيها.  إن القول بأنها حركة احتجاج شعبي  أكثر تطابقا مع الواقع، و هذا ال ينقص على اإلطماق من أهميتها وال من     مشروعية األسباب المحق ة التي أدت إليها، وال من تأثيراتها الراهنة والمحتملة.  "كّلن يعني كّلن"  هذا الشعار على الرغم من وقعه الموسيقي هو شعار تضليلي، ألنه يعني أن ان كل من في السلطة سي و ال  فروقات بينهم. وهذا غير صحيح. ألن هناك من هو في السلطة منذ ثماث   ين عاما، وهناك من هو فيها منذ بضع   سنوات، وهناك من فساده شائع ومعلوم، وهناك من يريد اإلصماح وال يجد إلى ذلك نصي ار أو سبيما. و هناك من  يفكر بعقلية التبعية للمؤسسات الدولية، ومن يفكر بعقلية استقمالية...وعندما يتهم الشعار "ك لن" فهذا يعني أحد أمرين: إما أنه يريد من خمال التعميم التعمية على شخصيات معينة وال يريد أن تذكر باالسم، وإما أنه يريد    الفوضى التي تجعل الناس جميعا في سلة استهداف واحدة. و ز ا   إذا كان هذا التعميم يحف لجمهور المشارك، إال  أنه يضلل الرأي العام في الوقت نفسه، ويسمح بتوظيف االحتجاج ألهداف غير مطلبية وغير محلية.  وما يجعل هذا الشعار موضع نقد وريبة هو تعمد البعض إضافة اسم السيد نصر هللا إليه، بالقو ل "نصر هللا  واحد منن".    علما بأن السيد نصر هللا ليس وزي ار   وال نائبا وليس له أي منصب سياسي حكومي   ليتهم بأنه واحد   ض منهم. هنا أي ا تضليل "ناعم" للجمهور وللرأي العام. فلماذا لم تتم تسمية شخصية أخرى غير مشار كة في الحكم  واتهامها بأنها "واحد منن" غير السيد نصر هللا؟    ولماذا لم يرفع مثما شعار "حزب هللا واحد منن"؟ الجواب هو أن  المطلوب إسقاط رمزية السيد نصر هللا الذي يعرف الجميع في لبنان أن ال عماقة له بمنظومة الفساد المتشابكة  التي تشكلت خمال ثماثين سنة في لبنان. وإسقاط رمزية السيد كما قال بعض "ال ار   ثو " يحقق نصف أهداف  "الثورة"!!.  كان من الممكن، وربما كان المطلوب من هذا الشعار غير العفوي أن يتحول إلى فتيل إلشعال حريق مذهبي  وشعبي يصعب السيطرة عليه مع تلك الجموع المحتشدة في الساحات، فتنتهي الثورة الشعبية ليدخل لبنان في  ح ذر منها الكثيرون قبل اندالع الح ارك الشعبي. كيف يمكن لعشرات اآلالف أن يجتمعوا و أن يبقوا في الساحات لنحو أسبوعين )تباهى المشاركون بأنهم تجاوزوا  المليوني شخص( من دون أي قيادة فعلية وحقيقية. كيف يمكن أن يصدق عاقل أن ما جرى من تجمعات، ومن مواعيد قطع للطرقات، ومن تنظيم هتافات، ومن تأمين الغذاء والماء، والصوتيات، ومن تأمين حاجات أخرى ...  هو كله عمل عفوي، ومبادرات فردية وال قيادة له؟  إن ا ّ دعاء ة ّ عفوي الحراك وغياب القيادة هو أخطر ما يمكن أن يواجه الحراك نفسه، وهو أكبر تضليل  للمحتجين وللرأي العام.  – ألن غياب القيادة وعدم ظهورها بشكل علني يخفي اإلنتماء السياسي لهذه القيادة، التي تريد توظيف الحراك في  مشاريع سياسية مختلفة. )   باتت أكثر وضوحا مع طريقة وأماكن قطع الطرقات(. – ألن ظهور قيادة علنية قد يتحول إلى خماف وانقسام بين المحتجين والى صراع على السلطة،    نظ ار لتنوع مشاربهم  وتنوع أهدافهم وانتماءاتهم.  – ألن غياب القيادة يتيح التحول إلى الفوضى من دون أن يتحمل أحد هذه المسؤولية، كما هو الحال مع قضية  قطع الطرق التي تحولت إلى إذالل معيب وغير مبرر للناس.  – إلن غياب القيادة يوحي لكل مشارك أنه هو من يصنع الثورة، وهو القائد، وال يوجد من يملي عليه األوامر، "وأن الثورة هي الناس. !!!".  – ألن غياب القيادة يتيح للقوى والجمعيات ذات االرتباطات الخارجية أن تعمل بحرية ونعومة من دون أي شبهة  أو قلق، وأن تدفع الحراك الشعبي نحو أهدافها الخارجية.  إنه احتجاج شعبي وليس "ثورة"، و "كّلن ليسوا كّلن"، و ليس عفويا و"بال قيادات". القيادات  السياسية واإلعالمية والمالية موجودة بكل تأكيد، لكنها ال تريد أن تكشف وجهها أمام الضوء. طالل عتريسي أستاذ علم االجتماع 2019/11/5